ابن المقفع

84

الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )

واعلم أنّك لا تصيب الغلبة إلا بالجهاد وأنّ قلّة الإعداد لمدافعة « 1 » الطّبائع المتطلعة هو الاستسلام لها ، وأنّه ليس أحد إلا فيه من كلّ طبيعة سوء غريزة . وإنّما التفاضل بين النّاس في مغالبة طبائع السوء ، فأما أن يسلم أحد من أن تكون فيه تلك الغرائز فليس في ذلك مطمع ، إلا أنّ الرجل القويّ إذا كابرها بالقمع لها كلّها كلّما تطلعت لم يلبث أن يميتها حتّى كأنّها ليست فيه . وهي في ذلك كامنة « 2 » كمون النّار في العود فإذا وجدت قادحا « 3 » من علّة أو غفلة استورت . . . كما تستوري النّار عند القدح ثم لا يبدأ ضرّها إلا بصاحبها كما لا تبدأ النار إلا بعودها التي كانت فيه . * فضيلة المصابرة ذلّل نفسك بالصبر على جار السّوء وعشير السّوء وجليس السوء فإنّ ذلك ما لا يكاد يخطئك فإنّ الصّبر صبران : صبر الرجل على ما يكره ، وصبره عمّا يحبّ ، فالصبر على المكروه أكثرهما وأشبههما أن يكون صاحبه مضطرا . واعلم أنّ اللئام أصبر أجسادا والكرام أصبر نفوسا ، وليس الصبر الممدوح بأن يكون جلد الرجل وقاحا « 4 » أو رجله قوية على المشي أو يده قوية على العمل ، فإنّما هذا من صفات الحمير . ولكن أن يكون للنفس غلوبا وللأمور محتملا وفي الضرّ متجمّلا ، ولنفسه عند الرأي والحفاظ مرتبطا ، وللحزم مؤثرا وللهوى تاركا ، وللمشقّة التي يرجو عاقبتها مستخفّا وعلى مجاهدة الأهواء والشّهوات مواظبا ولبصره بعزمه منفّذا .

--> ( 1 ) مدافعة الطبائع : دفعها وقهرها والتصدّي لها . ( 2 ) كامنة : مستترة ، خفيّة . ( 3 ) القادح : من قدح النّار بالزند أي حاول إخراج النار منه ، والقادح المؤثّر والثاقب والعيّاب . ( 4 ) الوقاح : ذو الوقاحة أو القليل الحب للمذكّر والمؤنث .